القاهرة - حذر الكاتب الصحفي فهمي هويدي مما اسماه الشذوذ الفكري الذي لوث عقول قطاعات عريضة من الناس وتسلل إلى ساحتنا الثقافية في القرن الجديد، منتقدا في مقاله الذي نشرته عدد من الدوريات العربية بعض الاقلام وأصحاب الافكار التي ساهمت في إفراز مناخ سياسي ملوث بتجاوزهم حدود المعقول والمقبول بالاجتراء على القوى الوطنية والنضالية في العالم العربي بدعوى عدائها لمصر وتهديد أمنها مشيرا الى ان المناخ الملوث لم يفرز هذه النماذج الشائهة فحسب، ولكنه مكَّن لها أيضا. لأن كل واحد من هؤلاء بات يحتل الآن موقعا مهمّا في خريطة الإعلام المصري.
وفيما يلي نص مقال فهمي هويدي: الأوباش!!
استغرب إشغال الرأي العام في مصر بقضية حول الشذوذ الجنسي قيل إنها مفتعلة، في حين أن الشذوذ الفكري لم يلق ما يستحقه من اهتمام، رغم أن الثاني أخطر بكثير من الأول الذي هو مرض يصيب أفرادا، أما الثاني فهو سموم قد تلوث عقول قطاعات عريضة من الناس. صحيح أننا واجهنا في أواخر القرن الماضي مرحلة عانينا فيها من الشذوذ في الفكر الديني، لكننا لم ننتبه إلى الشذوذ في الفكر السياسي الذي تسلل إلى ساحتنا الثقافية في القرن الجديد.
لقد غضب الوسط الصحفي في مصر، لأن السفير الإسرائيلي زار رئيسة تحرير مجلة الديموقراطية في مكتبها بمبنى مؤسسة الأهرام، وكان الصحفيون الوطنيون على حق في غضبهم ورفضهم لمبدأ اللقاء مع سفير دولة العدو، سواء تم ذلك في داخل مؤسسة الأهرام أو خارجها.
لكن ثمة أصواتا في الوسط الصحفي تنطق بما هو أكثر فحشا من لقاء سفير دولة العدو، فهي لا تتورط في سقطة التطبيع فحسب، ولكنها تذهب إلى أبعد، حين تتحدث باحتقار وازدراء شديدين عن المقاومين الشرفاء في الأمة العربية، فتحط من قدرهم وتحض على كراهتهم وتحرض الرأي العام ضدهم. وهي لا تتعاطف مع العدو فحسب، ولكنها تقف معه ضد المقاومة، وتنحاز إليه بأكثر من انحيازها إلى الأمة العربية.
لقد استهولت ما قرأته ذات مرة لأحد المسؤولين الحاليين في الأهرام، ودعا فيه إلى ضرورة توثيق العلاقات مع إسرائيل، وذهب في ذلك إلى حد القول بأنه إذا تعارضت علاقات مصر بإسرائيل مع علاقاتها بالدول العربية الأخرى، فينبغي أن يقدم الحرص على العلاقات المصرية ـ الإسرائيلية.
ولم أصدق أذني حين سمعت مسؤولا آخر بمركز الدراسات الاستراتيجية يقول على شاشة التلفزيون بعد الإعلان عما سمي بخلية حزب الله إنه يتعين على مصر أن تجري تنسيقا أمنيا مع إسرائيل لمواجهة أنشطة حزب الله، وحين فوجئ المذيع بذلك وأبدى دهشته إزاء ما سمعه، فإن صاحبنا قال إن هذه هي السياسة دائما، أن تختار بين السيئ والأسوأ.
الأغرب مما سبق، ما نقله زميلنا الأستاذ حسنين كروم عن مقال نشرته صحيفة «نهضة مصر» في 13 أبريل الماضي (حين أثير موضوع خلية حزب الله في مصر) لأحد الباحثين بمركز الدراسات الاستراتيجية الذي ذكر اسمه (الدكتور محمد عبدالسلام) وهو في الوقت ذاته عضو بأمانة السياسات بالحزب الوطني، عنوان المقال كان كالتالي: «كيف تتعامل مصر مع «أوباش» الإقليم؟» ومن الفقرات التي أوردها قول الكاتب: «على كل طرف قام بعمل معاد لمصر أو تعامل باستسهال مع أمن مصر القومي أو أرسل أحد أزلامه ليعيث فيها فسادا أن يدفع ثمنا لما قام به، وهذا الثمن يجب أن يكون مؤلما مهما كانت النتائج وحتى لو اضطرت مصر إلى خوض مواجهات مكشوفة دون تلك الحسابات المملة»..
وقال عن «حماس» بالنص: «يجب التفكير في شيء آخر، كان هناك 10 توصيات بشأنه حتى قبل حرب غزة، عندما كانت المؤشرات تتتالى، وهي الاشتباك مع تلك الأطراف. فالسلوك الأميركي في باكستان يجب أن يدرس جيدا، والسلوك الروسي في آسيا الوسطى والصينيون لا يتركون حقوقهم معلقة في الهواء»..
وقال عن حزب الله: إنه «سيوضع حاليا تحت المنظار.. وأن زعيمه عليه أن يزيد عدد مخابئه التبادلية، لكن لابد من القيام بشيء ما».. وقال عن ردود الأفعال في مصر التي ستحدث إذا شنت مصر الحرب على «أوباش المنطقة»: «بالنسبة للفئات التي تتبنى اتجاهات الدروشة القومية أو الإسلامية أو التي ستحمل الدولة المصرية مسؤولية أي شيء مهما كان، فإنه يجب عدم الالتفات إلى أي ردود فعل من جانبها، بل على الأرجح، فإن ذلك سيؤدي إلى تعقلها».
صحيح أن هذه كلها «عينات» لحالة الشذوذ الفكري، لكن ما أحزنني فيها ثلاثة أمور: الأول أنها إفراز مناخ سياسي ملوث، والثاني أن أصحاب تلك الأفكار تجاوزوا بكثير حدود المعقول والمقبول ومارسوا اجتراء مشينا وصادما على القوى الوطنية والنضالية في العالم العربي، بدعوى عدائها لمصر وتهديد أمنها. أما الأمر الثالث فإن المناخ الملوث لم يفرز هذه النماذج الشائهة فحسب، ولكنه مكَّن لها أيضا. لأن كل واحد من هؤلاء بات يحتل الآن موقعا مهمّا في خريطة الإعلام المصري، وهو ما يدعونا إلى التساؤل: باسم من يتكلمون؟ ولحساب من يعملون؟
اقرأ أيضا:
فهمي هويدي يكتب: درس في اللهو السياسي